تنقل الصحفية ندى نبيل من داخل غزة مشهدًا يوميًا يختنق فيه الضوء قبل أن يكتمل، حيث تواجه الأسر وأصحاب الأعمال تداعيات انقطاع الكهرباء المستمر. ترصد الكاتبة قصة أبرار عبده، التي تقف أمام فرنها المعتم بعد أن أفسد انقطاع مفاجئ للتيار عشرات الكعكات، لتتحول لحظة عمل إلى خسارة قاسية تهدد مصدر رزقها وحياة من يعملون معها.
تعكس هذه القصة، كما يورد تقرير ميدل إيست آي، أزمة أوسع تضرب قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، حيث يعاني السكان من انقطاع شبه كامل للكهرباء نتيجة الحصار والقيود على الوقود، ما يضع الاقتصاد المحلي والخدمات الأساسية على حافة الانهيار.
اقتصاد ينهار تحت وطأة الظلام
تواجه آلاف العائلات في غزة واقعًا قاسيًا مع غياب مصدر ثابت للكهرباء، حيث يعتمد السكان على ألواح شمسية محدودة أو مولدات خاصة بتكلفة مرتفعة. تدفع أبرار عبده ثمن هذا الواقع يوميًا، إذ تضطر إلى رد أموال الزبائن وتحمل خسائر المواد الخام بسبب الأعطال المتكررة، بينما يتآكل دخلها وسط بيئة اقتصادية منهكة.
أغلقت محطة الكهرباء الوحيدة في القطاع أبوابها بعد نفاد الوقود مع بداية الحرب، لتدخل غزة في ظلام طويل. يضطر السكان إلى اللجوء لمحطات شحن صغيرة مقابل مبالغ يومية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة، بينما تزداد التكاليف ويضيق هامش البقاء.
تتفاقم الأزمة مع استمرار القيود على دخول الوقود، ما يعطل أي محاولة حقيقية لإعادة تشغيل الأنشطة الاقتصادية. تعيش المشاريع الصغيرة صراعًا يوميًا بين الاستمرار والانهيار، حيث تتوقف خطوط الإنتاج لأيام، وتفقد الأسواق ثقة زبائنها.
مستشفيات على حافة الانهيار
يضرب انقطاع الكهرباء قلب القطاع الصحي في غزة، حيث تعتمد المستشفيات بشكل شبه كامل على المولدات لتشغيل أقسام حيوية مثل العناية المركزة وحضانات الأطفال ووحدات غسيل الكلى. يواجه الأطباء تحديًا مستمرًا للحفاظ على حياة المرضى وسط أعطال متكررة ونقص حاد في قطع الغيار والزيوت.
يؤدي الضغط المستمر إلى تآكل المولدات وتوقف بعضها عن العمل، ما يجبر الإدارات الطبية على إغلاق أقسام غير طارئة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات المنقذة للحياة. تتأجل مئات العمليات الجراحية، بينما تتعرض الأجهزة الطبية الحساسة للتلف بسبب التيار غير المستقر.
يحذر مختصون من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع القطاع الصحي إلى انهيار كامل، حيث لا يمكن للأجهزة الحيوية تحمل انقطاعات مفاجئة أو تيارًا متذبذبًا. يزداد الوضع تعقيدًا مع غياب أنظمة دعم كهربائي مستقر، ما يجعل كل دقيقة بلا كهرباء تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى.
شلل يهدد الحياة اليومية
تمتد آثار الأزمة إلى الشوارع، حيث يتراجع عدد المركبات العاملة بسبب نقص الوقود وقطع الغيار، ما يعيق حركة الإسعاف ونقل الإمدادات الأساسية. تتوقف عجلة الحياة تدريجيًا، ويضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام في ظل تراجع وسائل النقل.
يحذر مسؤولون محليون من أن استمرار نقص الزيوت وقطع الغيار سيؤدي إلى توقف المولدات بشكل كامل، ما يعني غياب المياه والكهرباء معًا، وشلل ما تبقى من الأنشطة التجارية والصناعية. يصف البعض المشهد بأنه اقتراب من “الظلام الكامل”، حيث تختفي أبسط مقومات الحياة.
تجسد قصة أبرار عبده هذا الواقع القاسي، حيث تحاول إعادة بناء مشروعها بعد عودتها من النزوح، لكنها تواجه تكاليف باهظة وأعطالًا مستمرة. تضطر للاعتماد على مولدات غير مستقرة، تتوقف فجأة وتفسد الإنتاج، بينما تزداد كلفة الإصلاح وسط نقص الموارد.
تعكس هذه المعاناة صورة أوسع لقطاع بأكمله يحاول النهوض من تحت الركام، لكنه يصطدم بجدار من الأزمات المتراكمة. تتآكل القدرة على الصمود يومًا بعد يوم، ويصبح السؤال ليس كيف تعيش غزة، بل كم من الوقت يمكنها الاستمرار في هذا الظلام.
https://www.middleeasteye.net/news/gaza-life-flickers-power-cuts-shatter-livelihoods-and-healthcare

